رمضان : محطة تغير وموطنُ تنوير يبدأ بالتوبة كثيرمن الناس تغيرتْ حياتهم إلى الأفضل بفضل هذا الشهر الكريم الذي يُعدُّ مدرسةً تربوية ومحطة تغيرية إيجابية نحو الأفضل فهو مغتسل بارد وكريم لمن أراد أن يتطهر من المعاصي والذنوب ويستقيم على جادة الطريق , كما هو مورد فضائل وبستان خمائل يجني ثماره الزارعون ويبتغي سبله الراغبون وينهل من عذب نبعهُ الواردون .. فأول ما نستقبل به هذا الشهر الكريم المبارك الذي هو هدية السماء لنا , هو العزيمة الصادقة على (التخلي والتحلي ) التخلي من الرذائل والنقائص والمفاسد والتقصير في الواجبات والطاعات والتخلي عن الذنوب والمعاصي وذلك بالتوبة الصادقة النصوحة , والتحلي بالفضائل والمحامد والطاعات والقربات التي تجعلنا في روضة الأنس والسعادة في الدنيا والآخرة.عندها تتجدد حياتنا وتسمو أرواحنا ويهذب سلوكنا وتزكو أنفسنا وتسعد قلوبنا ويرض عنا ربنا. , كل ذلك يبدأ بالتوبة النصوح, فما هي التوبة؟ تعالوا بنا نسبرُ أغوارها ونرشف أطيابها ونغوص في أعماقها ونستروح ظلالها , لننال حب الله ورضاه..قال تعالىرمضان محطة تغير وموطنُ تنويرإن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين) اللهم اجعلنا منهم والمسلمين (آمين آمين لا أرضى بواحدة حتى أبلغها مليار آمينا).
الـتوبة
التوبة هي الشعور بالندم والرجوع إلى الله خشية من عقابه أو رجاء لثوابه. إن التوبة:هي تعديل أساسي في الشخصية والكينونة , وهي الوجهة والطريق والعمل والسلوك. لذلك فهي جوهرية مهمة في حياة الإنسان والمجتمعات,وليست التوبة إذن متعلق أخروي فحسب كما يفهمها البعض بل هي أساسية في بناء الحياة السوية للأفراد والمجتمعات في الدنيا قبل الأخرى.
إن التوبة تأتي نتاج العلم والمعرفة واليقين بالله وبشرعه ،فهي: اعتراف العبد بالتقصير والضعف والعجز والذل والانقياد لربه عز وجل.كما أنها اعتراف من العبد بصفات الله عز وجل ؛كالقوة والهيمنة والعزة والكبرياء ، وسائر الصفات التي يخشى العبد ربه عندها ، ويرجوه كذلك . ومن هنا يصبح الرجاء والإنابة من معاني التوبة ، إذن فالتوبة هي الرجوع إلى الله ، والعزم على الجادة ، بعد الندم على التفريط في حقه أو التقصير في طاعته . وكما هي طلباً لرحمته وفضله وعفوه , هي خشية من سخطه وعقابه ، وقبل ذلك هي محبة له واعترف بأسمائه وصفاته. ( أي بربوبيته وألوهيته ) سواء بسواء.إن التوبة فضل من الله يتفضل بها على من يشاء من عباده. وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاء وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (21) سورة النــور "
إن الله فتح باب التوبة لمن يشاء أن يتوب ويتطهر ؛ كي يرجع التائب إلى المجتمع نظيفا عفيفا,وحتى يقوم المجتمع على أرض صلبة وفي جو نظيف عفيف..و هناك لمسة من توبة الله لعباده, : هي توجيه قلوب العباد للاقتباس من خُلق الله ورسوله والتعامل فيما بينهم به. فالله توابا رحيما فينبغي لهم أن يكونوا هم فيما بينهم متسامحين رحماء ; أمام الذنب الذي سلف وأعقبته التوبة والإصلاح. إنه ليس تسامحا في الجريمة, وليس رحمة بالفاحشين , فهنا لا تسامح ولا رحمة , ولكن سماحة ورحمة بالتائبين المتطهرين المصلحين وقبولهم في المجتمع , وعدم تذكيرهم وتعييرهم بما كان منهم من ذنب تابوا عنه وتطهروا منه وأصلحوا حالهم بعده , فينبغي حينئذ مساعدتهم على استئناف حياة طيبة نظيفة كريمة ونسيان جريمتهم حتى لا تثير في نفوسهم التأذي كلما واجهوا المجتمع بها ; مما قد يحمل بعضهم على الانتكاس والارتكاس واللجاج في الخطيئة وخسارة أنفسهم في الدنيا والآخرة والإفساد في الأرض وتلويث المجتمع والنقمة منه[1]."
وقد وضع بعض العلماء للتوبة معنين: معنى مع العبد, ومعنى مع الله. فمع العبد يقال: تاب العبد إلى ربه بمعنى: رجع وعاد إليه من ذنب اقترفه, فندم لفعله, فعاد إلى ربه نادما تائبا. المعنى الآخر مع الله, فيقال تاب الله عليه , بمعنى: عاد الله عليه بالمغفرة وأرجعه إليه لذلك ندعوا: اللهم تب علينا لنتوب واغفر لنا جميع الذنوب.وهذا مأخوذ من قوله تعالى: "ثم تاب عليهم ليتوبوا". وقيل:أقبل إليه ربه بعد أن أعرض عنه.
وكلا المعنيين عودة , ولكن عودة المغفرة والرحمة من الله ليست كعودة العبد بانكسارهوذله واستغفارهوقد ذكرت في القرآن توبة العبد وتوبة الله عليه. قال تعالى:{إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}(160) سورة البقرة.
{فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}(39) سورة المائدة.
{فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} (37) سورة البقرة. والآيات كثيرة في هذا الباب.والمؤمنون جميعا مأمورون بالتوبة ؛ لأنه لا يوجد معصوم غير الأنبياء , ومع ذلك , فالأنبياء يتوبون ويستغفرون الله عز وجل ؛ لأنه التواب والغفار, فمن باب أولى يتوجب على كل مسلم التوبة والإنابة والرجوع إلى الله عز وجل .
والتوبة إذا كانت صادقة قوية سميت توبة نصوحَا. اللهم تب علينا توبة نصوحاً وأصلحنا جسداً وروحاً. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (8) سورة التحريم. وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (31) سورة النــور.{وَاسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ}(90) سورة هود.
لمن يمنح الله التوبة؟
قال تعالى:{إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً..وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} (17، 18) سورة النساء.
ما يدخل في التوبة ؟
يدخل فيها الرجاء وحسن الظن كما يدخل فيها الخوف. فمتى ظهر للمذنب ذنوبه وعيوبه ، ورافق ذلك استشعار عظمة مولاه ، وصفاته وأسمائه العظمى، من حلم وعفو ومغفرة وكرم ورحمه ، انبعث أمام هذه الصفات رجاؤه وقويت رغبته , واشتد طلبه لعفو الله ومغفرته وصفحه وفضله ، فيتكئ على هذه الصفات ، ويمضي في طريقه إلى الله راجياً عفوه ومغفرته ، فيكون محققاً للتوبة بهذا الرجاء ، مع محاولة التخلص من الذنب ، والعزم على عدم تكراره ؛ لأن التائب انطلق بتوبته من علمه , حيث علم صفات الخالق ، ومن صفاته التواب ، فرجاه التوبة والمغفرة ، فلا مغفرة ولا توبة بغير رجاء . فالتوبة كما أشرنا لها معنيان ،فهي من العباد , تعني: الرجوع . ومن الله تعني: القبول لمن رجع إليه. فهي من العبد:خوف يوَلِّدُ رجاء ثم يتبعه عهد يقطعه لربه على نفسه بعدم الرجوع إلى المعصية ، وعهد بتجديد حياته وثباته على الطاعة ، وإحياء للثقة , وتصحيح للعزيمة. وهي من الله: رحمة وعفو ومغفرة للتوابين المستغفرين الذين انكسروا عند بابه وذلوا بأعتابه , خشيةً من عقابه ، ورجاءً لثوابه ، وجزائه.
قد يقول قائل كيف تكون التوبة من الذنوب التي لا يعلمها العبد؟نعم يتحقق ذلك بالدعاء والاستغفار ، وإعلان التوبة كقول العبد « اللهم تُب علينا منجميع الذنوب والخطايا ، صغيرها أو كبيرها ، ما علمت منها وما لم أعلم »[2].آمين
من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل ألا إن سلعة الله غالية وسلعة الله هي الجنة ولا تنال بغير توبة وأوبة
ومن الخشية تأتي التوبة ، فمن خاف الله في أمر ، فقد أعلن توبته لله في هذا الأمر ، ويبرزُ خوف التائب جليّاً عند يقظة قلبه ، واستشعاره لذنوبه التي عظمت عليه ، فخاف عقوبة ربه ، ودمعت عيناه ، وخشع قلبه ، ورفع كفه يستغفره ، معلناً ندمه , فقد مارس حقيقة التوبة في أعلى درجاتها.إنما التوبة بالعزيمة ولا عزيمة إلا بخشية.
توبة الكفل
عن ابن عمر قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يحدث حديثا لو لم أسمعه إلا مرة أو مرتين حتى عد سبع مرات ولكني سمعته أكثر من ذلك سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:" كان الكفل من بني إسرائيل لا يتورع من ذنب عمله فأتته امرأة فأعطاها ستين دينارا على أن يطاها فلما قعد منها مقعد الرجل من امرأته أرعدتْ وبكتْ فقال: ما يبكيك أأكرهتك ؟ قالت لا ولكنه عمل ما عملته قط وما حملني عليه إلا الحاجة فقال: تفعلين أنت هذا وما فعلته ؟ اذهبي فهي لك وقال لا والله لا أعصي الله بعدها أبدا فمات من ليلته فأصبح مكتوبا على بابه إن الله قد غفر للكفل[3]."
تَهَجُّـد الإحْسَان
رمَضَانُ أهْدَى للقلوبِ سُرُورَا وأفاضَ أنساً في الوجُودِ ونُورَا
رمضَانُ والنفحاتُ تَسْكُبُ للورى نوراًً وتنثر سنبلاً وزهورا
رمضانُ والرحمات تسري في الدنا ليسيلَ دمعُ التائبين غَـزِيرَا
وخلوفُ أفواه الصيام تضوعت مسكا يفيض وعنبراً وبخورا
يا روعة قبل الغروب تهزني وجداً وتملأ مهجتي تكبيرا
وإذا دعا للفطر صوتُ مؤذنٍ هبَّ الفؤادُ ملبيا مسرورا
والناس تَسْتَبقُ الخُطى أشواقـُهم نحو الصلاةِ حمائماً وطيورا
للهِ ما أحلى التراويح التي تمحو عن القلب الكليلِ سُدورَا
وترى قلوب المخبتين تضرعت عند القيام تأوهاً وزفيرأ
وترى نفوسُ الصائمين تَبتلت تتلو الكتاب أصائلاً وبكورا
فدوي أصوات التلاوة عاطرٌ يسري بأوردةِ الحياةِ دهورا
لحظات شهر الصوم تسري ثرةًجذلى وإن أضحى الزمان كسيرا
رمضانُ أحيا في حَنَايَا أمَّتي صِوَرَ الوِدَادِ تَباذلاًً وشُعُورَا
رمضانُ فـَجَّرَ من سَخَاوَتِهِ النَّدى فـَغدَا النَّدى بينَ الأنَامِ سَفِيرَا
ويَدُ السَّخاءِ تُبدِّدُ التـَّقـتِيـرا و تَهَجَّدَ الإحسانُ بَيْنَ ضُلوعِهم
رمضَانُ أحيا في العقول تَفَكرا فالكونُ أضْحَى مُصْحَفاً مَسْطـُورَا
ً سبحانَ من يَهديِ العُقولَ لكي ترى بالقلبِ نُورَ جمالِه المفطورا
رمضان ترتيلٌ وذكرٌ للذي خَلقَ الوجودَ وقَدَّرَ المَقدُورَا
منقول من بريدي رمضان محطة تغير وموطنُ تنوير
المصادر
[1]سيد قطب في تفسيره لبعض آيات التوبة .الجزء الربع.

[2]عبد الله بن المبارك

[3] المستدرك على الصحيحين للحاكم مع تعليقات الذهبي في التلخيص - (ج 6 / ص 263) 7651 - هذا حديث صحيح الإسناد و لم يخرجاه تعليق الذهبي قي التلخيص : صحيح


vlqhk : lp'm jydv ,l,'kE jk,dv df]H fhgj,fm fhgj,fm jydv jk,dv df]H vlqhk