العقيدة الاسلامية - اسماء الله الحسنى 2008 - الدرس (086-100)أ : اسم الله البر 1لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2008-05-26


بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنىاسماء الله الحسنى البرالبر):
أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "البَر".
ورود اسم البر في القرآن الكريم مطلقاً يفيد المدح والثناء على الله تعالى:
هذا الاسم ورد في القرآن الكريم مطلقاً يفيد المدح والثناء على الله جل جلاله في قوله تعالى:
﴿ إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ ﴾
( سورة الطور )
"البَر" اسم فاعل لمن اتصف بالبِر، و البِر كلمة مثلثة، بَر، وبُر، وبِر،البَر اليابسة، والبُر القمح، والبِر المحسن.
أيها الأخوة، الفعل بَر، يبرُ، فهو بار، وجمعه بررة.
﴿ كِرَامٍ بَرَرَةٍ ﴾
( سورة عبس )
والبِر هو الإحسان، والبر في حق الوالدين والأقربين من الأهل ضد العقوق ، والعقوق الإساءة إلى الوالدين، وتضييع حقهما.
والبر والبار بمعنى واحد، بر، وبار، لكن الذي ثبت في أسماء الله الحسنى "البر" دون البار، لم يرد في أسماء الله الحسنى البار، في اللغة البر والبار واحد، أما الذي ثبت في أسماء الله الحسنى "البر". التواضع و الإنصاف و الإحسان صفات تدعو الطرف الآخر إلى الإسلام بشكل غير مباشر:
أسماء الله الحسنى كما تعلمون توقيفية، وليست اجتهادية قال تعالى:
﴿ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾
( سورة الممتحنة )
هناك ملمح دقيق جداً في هذه الآية، هذا الإنسان الغير ملتزم، لكنه لا ينكر عليك بل يقدرك، بل يثني عليك، بل يكبر فيك التزامك، هذا الإنسان الغير ملتزم، لكن لا يعاديك، لا ينتقصك، لا يحاربك، لا يؤذيك، هذا يسمى في المصطلح الحديث حيادي، إياك بغلظة منك أن تضمه إلى الطرف الآخر، الآية دقيقة: ﴿ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ ﴾
إن لك جاراً غير مسلم ينبغي أن تبره، أن تكرمه، أن تحسن إليه، أن تريه منك إيجابية، تفهماً، خدمة، أن تهنئه بمولود، أن تقدم له هدية، أو تساعده، أن تعاونه، كيف سيقتنع أنك على حق ؟ من أخلاقك، من تواضعك، من خدمتك، هذه النقطة الدقيقة. لا تحارب إلا من يحاربك:
في عصور الظلام فهم المسلمون أن كل إنسان ليس مسلماً ، ينبغي أن تحاربه ، أن تقاتله، أن تشتمه، أن تعاديه، هذا خطأ كبير، والآية واضحة تماماً:
﴿ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ ﴾
أن تحسنوا إليهم ، أن تتلطفوا معهم، أن تتقربوا إليهم، بإحسان، بالكلمة الطيبة، بالتهنئة، بالخدمة، بالهدية.
﴿ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾
أنت لا تحارب إلا من يحاربك.
﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾
( سورة البقرة )
عندنا أخلاق هي أخلاق الجهاد، هذه الأخلاق في أثناء الحرب.
﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ﴾
( سورة التوبة الآية: 73 )
هذه أخلاق الجهاد، أخلاق المعركة، لكن في السلم:
﴿ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾
( سورة فصلت )
هذا الغير مسلم كيف يقتنع أن الإسلام على حق، إن رأى منك إنصافاً، تفهما إحساناً، لطفاً، إكراماً، هذه الصفات تدعوه إلى الإسلام بشكل غير مباشر. الكافر إن رآك فظاً و غليظاً اعتقد بكفره وصواب كفره:
أخوانا الكرام، الآية الدقيقة:
﴿ رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا ﴾
( سورة الممتحنة الآية: 5 )
فيها ملمح دقيق جداً، هذا الكافر إن رآك فظاً غليظاً، إن رآك غير منصف، إن رآك عدواً مبيناً، إن رآك متعصباً، اعتقد بكفره، وصواب كفره، ولم يقبل هذا الدين الذي مثلته بالغلظة والفظاظة، من أنت أمام سيد الخلق ؟ سيد الخلق، حبيب الحق، سيد ولد آدم ، الذي يوحى إليه، الذي أوتي القرآن، الذي أوتي المعجزات، الذي أوتي جمال الصورة ، الذي أوتي الفصاحة والبيان، الذي أوتي عراقة النسب، كأن الله عز وجل يخاطبه ويقول أنت، أنت يا محمد على كل هذه الخصائص، وعلى كل هذا التفوق، وعلى كل هذا الفلاح، أنت، أنت بالذات:
﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 159 )
فكيف إذا إنسان ليس نبياً، و لا رسولاً، ولا يوحى إليه، ولا أوتي المعجزات ولا أوتي الفصاحة، ولا أوتي البيان، ومع ذلك فهو فظ غليظ القلب، وكأن الآية تعطي معادلة.
﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 159 )
بسبب رحمة استقرت في قلبك يا محمد كنت ليناً لهم، رحمة، لين، التفاف ، التفوا حولك، ﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾
لو كنت بعيداً عنا لامتلأ قلبك قسوة، ولانعكست القسوة غلظة، ومع الغلظة الانفضاض. قانون الالتفاف والانفضاض:
أصبحت المعادلة اتصال ، رحمة، لين، التفاف، انقطاع، قسوة، انفضاض، هذه الآية يحتاجها الآباء، الأمهات ، المعلمون، كل إنسان يحتل منصباً قيادياً، أنا سميت هذا المعنى في هذه الآية قانون الالتفاف والانفضاض، كل إنسان له منصب قيادي، مدير مؤسسة، مدير مستشفى، مدير جامعة ، وزير، أب، أم، معلم، الشيء الدقيق جداً في عمله أن يلتف من حوله حوله، أن يلتفوا حوله، أن ينصاعوا إليه، أن يحبوه، أن يطيعوه، متى يحبوه ؟ متى يطيعوه ؟ متى يلتفوا حولوه
﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾
إذاً لابدّ من أن تتصل بالله، لتستقر في قلبك رحمة، كي تنعكس الرحمة ليناً، كي يكون اللين سبب التفاف الناس حولك، فإذا كنت منقطعاً عن الله امتلأ القلب قسوة، ومن نتائج القسوة الغلظة، ومن نتائج الغلظة الانفضاض. المسلم مُحبب أو مُنفر:
إذاً الآية الدقيقة:
﴿ رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا ﴾
هذا الذي ليس مسلماً، إن رأى منك تقصيراً، إن رأى منك غلظة، إن رأى منك فظاظة، إن رأى منك قسوة، إن رأى في عملك إهمالاً، إن رأى تقصيراً في أداء واجبك ، إن رآك تنطق بكلامك ولست منضبطاً، فاعتقد بصواب ما هو عليه وألغى ما أنت عليه ﴿ رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا ﴾
من الذي فتن الكافر أن يكون كافراً ؟ المسلم المقصر، المسلم المنفر، أنا أسمي الآن مسلم منفر، وهناك مسلم محبب، إما أن تحبب الناس بهذا الدين من خلال رقتك، ولطفك، وتواضعك، وإتقان عملك، وعفتك، وصدقك، وأمانتك، وإما أن تنفر الناس من هذا الدين حينما تؤدي العبادات وتسيء في المعاملات، هذه المشكلة، حينما تؤدي العبادات، وتسيء في المعاملات تصنف مع المنفرين، أما حينما تؤدي العبادات وتحسن في المعاملات، تصنف مع المحببين.
(( يا رب أيّ عبادك أحب إليك حتى أحبه بحبك ؟ قال: أحب عبادي إلي تقي القلب، نقي اليدين، لا يمشي إلى أحد بسوء، أحبني، وأحب من أحبني، وحببني إلى خلقي، قال: يا رب إنك تعلم أنني أحبك، وأحب من يحبك، فكيف أحببك إلى خلقك ؟ قال: ذكرهم بآلائي، ونعمائي، وبلائي ))
[من الدر المنثور عن ابن عباس ]
بطولة الإنسان أن يكون منصفاً مبادراً للخير:
أيها الأخوة، إذاً البطولة أن تكون محسناً، أن تكون متواضعاً، أن تكون منصفاً، أن تكون مبادراً للخير، لا أن تكون مكافئاً.
هناك إنسان يزورك فتزوره، يقدم لك هدية فتقدم له هدية، يدعوك إلى وليمة تدعوه إلى وليمة.
آية مناسبة جداً لهذا المعنى، قال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا ﴾
( سورة المائدة الآية: 8 )
من هو العدو التقليدي للمؤمن ؟ الكافر، يعني يا أيها المؤمن لا تحملنك عداوة هذا الإنسان ألا تعطيه حقه، أعطه حقه، ﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ ﴾
أي بغض قوم ﴿ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا ﴾
﴿ اعْدِلُوا ﴾
( سورة المائدة الآية: 8 )
مع من ؟ مع من تبغضه، ﴿ اعْدِلُوا ﴾
مع من ؟ مع الطرف الآخر ﴿ اعْدِلُوا ﴾
مع من ؟ مع الذي ليس مسلماً ﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا ﴾
أمر إلهي، وكل أمر إلهي يقتضي الوجوب.
﴿ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ﴾
( سورة المائدة الآية: 8 )
تنفيذ تفاصيل المنهج الإسلامي مع غير المسلم تحمله على الإسلام و تحببه بالدين:
إنك إن عدلت مع هذا الذي ليس من ملتك، ليس على دينك قربته إليك، وقربته إلى الله.
هذه الفكرة المرفوضة، هذا ليس مسلماً، لكن إنسان، الإنسان إن رآك محسناً ، منصفاً، أعطيته حقه، متواضعاً، أنا أقسم لكم بالله، هناك مئات ألوف الحالات ممن دخلوا في الإسلام من موقف أخلاقي، من موقف فيه إنصاف، فيه إحسان، فأحب هذا الإسلام فدخل في الإسلام.
أيها الأخوة الكرام، أنت حينما تنفذ تفاصيل هذا المنهج مع غير المسلم، تحبب غير المسلم إليك، وقد تحمله على أن يُسلم.
معاني البر:
1 ـ البر سبحانه وتعالى هو العطوف على عباده ببره ولطفه:
الآن "البر" سبحانه وتعالى هو العطوف على عباده، ببره ولطفه، فهو أهل البر والعطاء، يحسن إلى عباده في الأرض والسماء.
روى البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال الله عز وجل :
(( أنفقْ أُنفِقْ عليك ))
[ البخاري عن أبي هريرة]
وقال عليه الصلاة والسلام:
(( يدُ الله ملآى، لا يَغيضُها نفقة، سحَّاء الليل والنهار ـ يعني مستمرة في الليل والنهار ـ وقال: أَرَأَيتم ما أنْفَقَ منذُ خلق السماوات والأرضَ ؟ فإنه لم يَغض ما بيده وكان عرْشُه على الماء، وبيده الميزانُ، يَخفِضُ ويَرفَعُ ))
[ البخاري عن أبي هريرة]
"البر" هو العطوف على عباده، ببره ولطفه، فهو أهل البر والعطاء، يحسن إلى عباده في الأرض والسماء.
(( أنفقْ أُنفِقْ عليك ))
الأحاديث كثيرة.
(( أنفق بلالُ ولا تخش من ذي العرش إقلالاً ))
[أخرجه الطبراني عن بلال ]
(( الخلق عيال الله فأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله ))
[أخرجه أبو يعلى عن أنس بن مالك ]
هذا الفهم الدقيق لهذه الآيات وتلك الأحاديث، يجعل المسلم محبباً إلى الآخرين، عندئذٍ فيما أظن يدخل الناس في دين الله أفواجا، فإذا كان المسلم منفراً، قاسياً، فظاً، غليظ القلب، يخرج الناس من دين الله أفواجاً. 2 ـ البر هو الصادق في وعده المتجاوز عن عبده:
الآن "البَر" هو الصادق في وعده، الذي يتجاوز عن عبده، وينصره ويحميه ، الصادق في وعده.
﴿ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ ﴾
( سورة الزمر الآية: 74 )
زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين:
﴿ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ ﴾
( سورة التحريم الآية: 8 )
يعني هذه الوعود التي وعد الله بها، زوال الكون أهون على الله من ألا تتحقق، من الذي يعدك ؟ رب السماوات والأرض، خالق السماوات والأرض، إله السماوات والأرض، لذلك حينما يقول الله عز وجل :
﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي ﴾
( سورة النور الآية: 55 )
عليك أن تعبده وعلى الله الباقي، على الله عز وجل، ومعنى على إذا اقترنت بلفظ الجلالة أي هناك إلزام ذاتي من الله، على الله أن يستخلفك في الأرض ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي ﴾
فإذا أخل الفريق الثاني بما عليه من عبادة الله، فالله جل جلاله في حلٍّ من وعوده الثلاث.
﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً﴾
( سورة مريم )
3 ـ البر هو المحسن إلى عباده:
أيها الأخوة، "البَر" هو المحسن إلى عباده، الذي عمّ بره وإحسانه جميع خلقه ، فما منهم من أحد إلا وتكفل الله برزقه، الدعاء الذي تقرؤونه في القرآن الكريم:
﴿ وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ ﴾
سيدنا إبراهيم، لكن من ؟:
﴿ مَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ﴾
فرد الله عليه:
﴿ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً﴾
( سورة البقرة الآية: 126 )
يوم القيامة الفرز الدقيق بين الناس:
الله عز وجل كلهم عباده، في الدنيا يعطي كل عباده، يطعمهم، يأكلون ، يشربون، يتمتعون بالحياة، ينجبون الأولاد، أما الفرز الدقيق في الآخرة.
﴿ وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ ﴾
( سورة يس )
ما في الدنيا كالعام الدراسي تماماً، جميع الطلاب يرتدون الثياب، ويأكلون ، ويشربون، ومعهم محافظهم، ويتوجهون إلى مدارسهم، لكن متى يكرم هذا الطالب؟ بعد الامتحان.
(( الدنيا عرض حاضر أكل منها البر والفاجر ))
[أخرجه الطبراني عن شداد بن أوس ]
المؤمن يأكل والفاجر يأكل، المؤمن يركب مركبة والثاني كذلك، في الدنيا الأوراق مختلطة، لكن يوم القيامة يكون الفرز.
إذاً "البَر" الذي عمّ بره وإحسانه جميع خلقه، فما منهم من أحد إلا تكفل الله برزقه، قال أبو السعود: "البَر" الكثير الرحمة، الذي إذا عُبد أثاب، وإذا سُئل أجاب:
(( إِنَّ مِن عِبادِ الله مَنْ لَوْ أَقْسَمَ على الله لأَبَرَّه ))
[ البخاري عن أنس بن مالك]
(( رُبَّ أَشْعَثَ مَدْفُوعٍ بالأبواب لو أقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّهُ' ))
[ أخرجه مسلم عن أبي هريرة ]
4 ـ البر هو الله و مطلق عطاء الله:
الآن "البر" هو الله، والبِر عطاء الله، مطلق عطاء الله، إحسانه في الدنيا ، إحسانه في الآخرة، سعادة تملأ القلب، صحة تحفظ للإنسان مكانته، هيبة تعين الإنسان على معيشته.
أيها الأخوة، البِر مطلق عطاء الله، الله عز وجل بَر، واسم عطائه بِر.
انطواء كل أنواع الخير تحت كلمة البِر:
البِر أنواع الخير، تنطوي تحت هذه الكلمة كل أنواع الخير، لذلك قال تعالى:
﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾
( سورة آل عمران الآية: 92 )
وقال بعض العلماء: البِر التقوى، أو التوسع في فعل الخير، وقيل هو اسم جامع لكل الطاعات، ولكل أعمال الخير المقربة لله عز وجل ، أو اسم جامع للمرضي من الخصال، يعني جميع خصال الإحسان مجموعة في كلمة البِر، هذا شيء دقيق، اسم جامع لكل الطاعات، اسم جامع لكل القربات، اسم جامع لكل الخصال، اسم جامع لكل الأفعال المرضية.
والبِر هو التقوى، و البِر خير الدنيا والآخرة، ﴿ إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ ﴾
هو بَر، وعطاؤه بِر.
أيها الأخوة: دعاء عائشة رضي الله عنها:
(( اللَّهُمَّ إِنِّي أَدْعُوكَ اللَّهَ وَأَدْعُوكَ الرَّحْمَنَ وَأَدْعُوكَ الْبَرَّ الرَّحِيمَ وَأَدْعُوكَ بِأَسْمَائِكَ الْحُسْنَى كُلِّهَا مَا عَلِمْتُ مِنْهَا وَمَا لَمْ أَعْلَمْ أَنْ تَغْفِرَ لِي وَتَرْحَمَنِي ))
[ ابن ماجة عن عائشة]
أيها الأخوة، الإنسان حينما يركب دابته، أو يركب مركبته يوجد دعاء، هذا الدعاء:
﴿ سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ ﴾
( سورة الزخرف الآية )
(( اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البِرَّ والتقوى، ومن العمل ما تَرْضى، اللَّهمَّ هَوِّن علينا في سفرنا هذا ))
[أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي عن عبد الله بن عمر ]
الإسلام منهج كامل:
أيها الأخوة، الآية الدقيقة الآن:
﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴾
( سورة البقرة )
يعني أن تتوهم لمجرد أن تصلي ركعتين انتهى كل شيء، كيف دخلك؟ من حلال أم من حرام؟ كيف إنفاقك؟ كيف بيتك؟ كيف أولادك؟ كيف علاقاتك؟ كيف إحسانك؟ ﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ ﴾
أن تكتفي بعبادات شكلية، أن تكتفي بركعات تؤديها، بحجة أو عمرة دون أن يدخل الإسلام في منهجك، في كسب رزقك ، في إنفاقك، في مالك، في تربية أولادك، في حلك وترحالك، في عطائك، في منعك، في علاقاتك الاجتماعية، الإسلام منهج كامل، يبدأ من فراش الزوجية، وينتهي بالعلاقات الدولية. سلعة الله غالية:
﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ﴾
آتى المال بدافع محبته لله، أو آتى المال بالرغم من محبته للمال، ﴿ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ ﴾
إيتاء الزكاة شيء، وإنفاق المال على حب الله شيء آخر، الثانية الزكاة المفروضة، أما الأولى الصدقة، الإنسان بالصدقة يرقى، ﴿ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴾
أي الدين له ثمن، ثمن باهظ، أما النتائج سعادة إلى أبد الآبدين، النتائج جنة عرضها السماوات والأرض، النتائج:
(( ما لا عين رأتْ ولا أذن سمعتْ، ولا خطَر على قلبِ بَشَرْ ))
[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة ]
لكن سلعة الله غالية ﴿ لَيْسَ الْبِرَّ ﴾
هذا الإله العظيم، هل تظن عطاءه بركيعات تؤديها شكلياً ؟ لا، بمنهج كامل، بمبادئ، بقيم، بالتزام، بعطاء، بانضباط في الدخل، في الإنفاق، في تربية الأولاد، بجهد جهيد، بعطاء مديد، هذه الآية لها شأن خاص في القرآن الكريم حقيقة الدين إيمان، وعلم، وعمل، والتزام، واستقامة، وعمل صالح ، وإخلاص، وتواضع .والحمد لله رب العالمين




hslhx hggi hgpskn hgfv 1 hgfv hgpskn