العقيدة الاسلامية - اسماء الله الحسنى 2008 - الدرس (063-100)أ : اسم الله الشكور 1لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2008-02-10


بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى: ( الشكور):
أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "الشكور".
ورود اسم الشكور في القرآن الكريم مقترناً باسم الغفور و الحليم:
الله جلّ جلاله سمى ذاته العلية باسم "الشكور" قال تعالى:
﴿ لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ ﴾
( سورة فاطر )
يعني غفور للذنوب، شكور للأعمال الصالحة، وقد ورد هذا الاسم مقترناً باسم الغفور في موضعين، تقدم الأول منهما، والثاني في قوله تعالى: ﴿ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ﴾
( سورة فاطر )
وقد ورد هذا الاسم مقترناً باسم الحليم في قوله تعالى: ﴿ إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ ﴾
( سورة التغابن )
﴿ لَغَفُورٌ شَكُورٌ ﴾
﴿ شَكُورٌ حَلِيمٌ ﴾
إن وقعت في الذنب فهو غفور، وإن عملت عملاً طيباً فهو شكور، إن عملت عملاً صالحاً فهو شكور، وإن زلت القدم فهو حليم ﴿ لَغَفُورٌ شَكُورٌ ﴾
﴿ شَكُورٌ حَلِيمٌ ﴾
علامة إيمان المسلم أنه في كل الأحوال بين الصبر والشكر:
هناك آية أخرى:
﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴾
( سورة إبراهيم )
يجب أن تكون أيها المؤمن صباراً شكوراً، أي ينبغي أن تشتق من كمال الله كمالاً تتقرب به إليه، يبغي أن تكون صباراً شديد الصبر عند المصيبة، شديد الشكر عند العطاء، فأنت بين حالين، حالٍ تتمنى ألا يكون كن صبوراً، وحالٍ تتمنى أن يدوم كن شكوراً، المؤمن ﴿ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴾
والإيمان نصف صبر، ونصف شكر، وقال عليه الصلاة والسلام:
(( عَجَبا لأمر المؤمن ! إنَّ أمْرَه كُلَّه له خير، إن أصابتْهُ سَرَّاءُ شكر، فكان خيراً له، وإن أصابتْهُ ضرَّاءُ صَبَر، فكان خيراً له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن ))
[أخرجه مسلم عن صهيب الرومي ]
أروع ما في هذا الإيمان العظيم أنك في كل الأحوال إن كانت الأمور على خلاف ما تشتهي فأنت صبور، وإن كانت وفق ما تشتهي فأنت شكور.
(( يا عبادي، لو أنَّ أوَّلكم وآخرَكم، وإنسَكم وجِنَّكم، قاموا في صعيد واحد فسألوني، فأعطيتُ كُلَّ إنسان مسألتَهُ، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما يَنْقُص المِخْيَطُ إذا أُدِخلَ البحرَ ـ ذلك لأن عطائي كلام، واخذي كلام ـ فمن وَجَدَ خيراً فليَحْمَدِ الله ـ شكور ـ ومن وجد غير ذلك فلا يَلُومَنَّ إلا نَفْسَهُ ))
[أخرجه مسلم والترمذي عن أبي ذر الغفاري ]
صبور، علامة إيمانك أنك في كل الأحوال بين الصبر والشكر، لكن النبي عليه الصلاة والسلام كان أديباً مع الله، قال له:
(( يا رب إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، ولك العتبى حتى ترضى، لكن عافيتك أوسع لي ))
[رواه الطبراني عن عبد الله بن جعفر]
الإنسان مخير لا مسير:
أيها الأخوة:
﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ ﴾
( سورة الإسراء الآية: 18 )
الإنسان مخير، والعاجلة هي الدنيا. ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً * وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً ﴾
( سورة الإسراء )
الآن دقق: ﴿ كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً ﴾
( سورة الإسراء )
أنت مخير، اطلب ما شئت، ولكن الله سبحانه وتعالى لا يتعامل بالتمنيات يتعامل بالصدق. الله سبحانه وتعالى لا يتعامل بالتمنيات يتعامل بالصدق:
﴿ وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ ﴾
وكان صادقاً في طلبها، وعلامة صدقه: ﴿ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً ﴾
﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ ﴾
وأصر عليها، وألح عليها ﴿ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ﴾
بالقدر الذي نشاء، وللإنسان الذي نريد، الله عز وجل يعلم ما إذا كان صادقاً في طلبها، مصراً عليها، أم على مستوى التمنيات، والتمنيات بضائع الحمقى، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ﴾
( سورة النساء الآية: 123 )
أي خطوة نحو إرضاء الله تعالى يمنحه الله من خلالها التوفيق والتيسير والسعادة:
هذا الاسم العظيم ورد في السنة بالمعنى، ففي صحيح البخاري ومسلم يقول الله عز وجل :
(( أَنا عند ظَنِّ عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ـ الله شكور ـ ذكرتُه في نفسي، وإِن ذكرني في مَلأٍ ذكرتُه في مَلأٍ خيرٍ منه، وإن تَقَرَّبَ إِليَّ شِبْرا تَقَرَّبتُ إِليه ذِراعا، وإن تقرَّب إِليَّ ذِرَاعا اقْتَرَبتُ إِليه باعا، وإِن أَتاني يمشي أتيتُه هَرْوَلَة ))
[ البخاري و مسلم عن أبي هريرة ]
لمجرد أن تتحرك نحو الله، أن تتقرب إليه، وأن تخطب وده، أن تغض بصرك، أن يصدق لسانك، أن تُحسن إلى فقيره، أن ترعى يتيماً، أن تنقذ حيواناً صغيراً من الهلاك، لمجرد أن تتقرب إلى الله بعمل، والله عز وجل يرد عليك بالإحسان، بالقبول، كيف ما تحركت، أية حركة نحو الله، ترى الرد سريعاً وإيجابياً، وأضعافاً مضاعفة، وما من أخ كريم، إلا وله مع الله تجربة، إن أنفق من ماله يضاعف الله له أمواله، إن أعان ضعيفاً أعانه الله إلى من هو أقوى منه، إن أطعم مسكيناً غمره الله من فضله.
الحديث أي حركة، أي خطوة نحو إرضاء الله ترى خطوات، ترى التوفيق ، ترى التيسير، ترى الأمن، ترى الرضا، ترى السعادة، ترى الحكمة، والله عز وجل ينتظرنا، وسمّ كل عمل صالح قرضاً له. ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً ﴾
( سورة البقرة الآية: 245 )
لو أطعمت هرة هذا قرض لله، وإن وضعت اللقمة في فم زوجتك هي لك صدقة، وأن تميط الأذى عن الطريق هو لك صدقة، وأن تلقى أخاك بوجه طلق هو لك صدقة. من شكر الله عز وجل ربح الدنيا و الآخرة:
الله شكور، يعني أقل مؤمن إذا قُدم إليه عمله طيب لا يسعه إلا أنه يشكر، إذا شخص أزاح لك في مجلسه، تقول له: شكراً، أنت عبد، وأنت لا تحتمل أن يقدم إليك عمل صالح إلا وأن تعبر عن شكرك له، فالذي خلق الإنسان، صاحب الأسماء الحسنى والصفات الفضلى، يعني ترعى عباده، تهتم بعباده، تصدق مع عباده، تحسن إلى عباده ، تنصح عباده، تُكرم عباده، ولا ترى منهم الشكر ؟ هو شكور.
لا يوجد إنسان أذكى، ولا أعقل، ولا أكثر فلاحاً، ونجاحاً، وذكاءً، ممن يتاجر مع الله، يتاجر مع الله، أنت بالتجارة المألوفة يقول لك ربحنا 38%، غير معقول، الأرباح 12 ـ 13 ـ 9 ـ 8 ـ 7 ـ 5 أحياناً، يعني إذا قلنا 28 ربح غير معقول ! إذا تاجرت مع الله الواحد بالمليار.
معاني اسم الشكور في اللغة العربية:
أيها الأخوة، "الشكور" في اللغة على وزن فعول، وفعول من صيغ المبالغة من اسم الفاعل شاكر، شاكر شكور، فعله شكر، يشكر، شكراً، وشكوراً، وشكراناً ، ثلاثة مصادر، أصل الشكر الزيادة، والنماء، والظهور، وحقيقة الشكر الثناء على المحسن بذكر إحسانه.
أيها الأخوة الكرام، المؤمن شكور، أي شيء قُدم له، أي خدمة، أي هدية يشكر عليها إما بلسانه، أو بقلمه، أو برسالة، أو بابتسامة، أو بعمل طيب، أو بهدية مكافأة، من صفات المؤمن تعظم عنده النعمة مهما دقت، إنسان قدم لك شيئاً، لابدّ من أن تشكر، لابدّ من أن تعبر عن شكرك له، بأي طريقة، أما شكر العبد على الحقيقة: هو إقرار القلب بإنعام الرب، ونطق اللسان عن اعتقاد الجنان، وعمل بالجوارح والأركان.
الإنسان الشاكر هو الإنسان الذي يقرّ بنعم الله عز وجل بقلبه:
من هو الشاكر ؟ الذي يقر بنعم الله بقلبه، يعني الله عز وجل أكرمك بشهادة عليا والآن طبيب أنت، لك اسمك، لك دخل معقول جداً، وفوق المعقول، والناس يحترموك لك زوجة وأولاد، فالطبيب المؤمن كلما دخل إلى عيادته، أو إلى منزله يا رب لك الحمد هيأت لي أسباب الدراسة العليا، هيأت لي هذه المكانة، هيأت لي هذا الدخل، رزقتني هذه الزوجة الصالحة، رزقتني الأولاد.
فالمؤمن من علامة إيمانه دائماً يذكر فضل الله عليه، وغير المؤمن يقول:
﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ﴾
( سورة القصص الآية: 78 )
أما درست، نعم، خير إن شاء الله ! هناك من يدرس ولا ينجح، أنا تعبت حصلت هذا بكدي وعرق جبيني، ممكن هذا كلام بعد عن الله عز وجل ، كلما تقدمت في طريق الإيمان رأيت نعمة الله عليك، فتجاوزت النعمة إلى المنعم، من هو المؤمن ؟ المؤمن تجاوز النعمة إلى المنعم، من هو غير المؤمن ؟ الذي بقي عند النعمة، يستمتع بالبيت ، يستمتع بالطعام، بالشراب، يستمتع بالزوجة والأولاد، يستمتع بالمركبة الفارهة، يستمتع بمكانه العالية في المجتمع، وينسى فضل الله عليه. نعم الله عز وجل على الإنسان لا تعد و لا تحصى:
لكن:
﴿ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ﴾
( سورة إبراهيم الآية: 7 )
بعد ذلك:
﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا ﴾
( سورة إبراهيم الآية: 34 )
الآية تحير، لو أعطيتك ليرة واحدة، قلت لك عدها، لو كم أعدها، أما ليرة واحدة، الآية الكريمة:
﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ﴾
( سورة إبراهيم الآية: 34 )
لن تستطيع إحصاء الخير والبركة بنعمة واحدة، نعمة البصر، إذا شخص الله رزقه أولاد، وجاءته الهدايا، أراد أن يكون دقيقاً يكتب كل هدية من جاء بها، حتى يردها، يا ترى أيهما أهون أن تحصي هذه الهدايا، أم أن تردها ؟ الإحصاء سهل جداً، قلم وورقة هذه من مَنْ ؟ من فلان، أما كل واحد يحتاج أن تنزل إلى السوق، وأن تشتري هدية مناسبة تكافئ هديته، الله عز وجل يقول: أنتم يا عبادي عاجزون عن إحصاء بركات نعمة واحدة فلأن تكونوا عاجزين عن شكرها من باب أولى ﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا ﴾
العد فقط ﴿ نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ﴾
تمام الصحة و العافية من نعم الله الكبرى على الإنسان:
لو أن إنساناً فقد بصره، كل الجمال حُجب عنه، مرة حدثوني عن كاتب بمصر كبير وأديب، فقد بصره، يُصيف بسويسرا، قلت لهم: لو أخذ غرفة بالصعيد مكيفة مثل سويسرا، ما دام ما في بصر، أي مكان بارد، ولو غرفة قميئة مادام باردة كأنه في سويسرا قاعد، هذه لأنه حُجبت عنه المناظر.
﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ﴾
فشكر العبد على الحقيقة إقرار القلب بإنعام الرب، عندك إمكان إذا شربت كأس ماء أن تقول: يا رب لك الفضل ؟ لك الشكر لأن الكليتان تعملان بانتظام ؟
لي قريب أصيب بفشل كلوي، كان بالمستشفى يقول له الممرض بعنف: الآلة معطلة هذا الأسبوع لا تشرب الماء، أنت تشرب بغير حساب، كلما شعرت بالعطش شربت الماء البارد الزلال، هذه نعمة هل تنتبه إليها ؟ إنسان أخرج ما في جوفه.
كان عليه الصلاة والسلام إذا دخل إلى الخلاء يقول:
(( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الْأَذَى وَعَافَانِي ))
[أخرجه ابن ماجه عن أنس بن مالك ]
وكان يقول:
(( الحمد لله الذي أذاقني لذته ـ بالطعام ـ وأبقى في قوته، وأذهب عني أذاه ))
[الجامع الصغير عن ابن عمر]
علم، هذا الطعام له لذة، ممكن إنسان يأخذه سيروم، لكن يشتهي أن يأكل، الطعام له لذة، وله قوة، وله فضلات.
(( أذاقني لذته، وأبقى في قوته، وأذهب عني أذاه ))
[الجامع الصغير عن ابن عمر]
الولد الصحيح المعافى نعمة من الله لا تقدر بثمن:
رأى أولاده أمامه من نعم الله الكبرى، يعني الله عز وجل وهبه أولاداً ما فيهم عاهات، أحياناً عاهة بولد تجعل حياة الإنسان جحيماً لا يطاق، أولاد.
مرة قال لي شخص: إذا ينجب الإنسان مولوداً سليماً معه هدية مليون ليرة، هكذا قال لي، قلت له: بالله اشرحها لي، قال لي: لي بنت، أنجبت مولوداً الشريان عكس الوريد بالقلب، لونه أزرق، سألوا أطباء يحتاج إلى عملية ليس في كل بلدنا متخصص بإجرائها إلا بلبنان، طلب الطبيب أربعمئة ألف، والمستشفى ثلاثمئة ألف، والسيارة خمسين ألف، قال لي: خلال ساعات من الولادة دفعت قريب المليون ليرة.
يعني إذا جاءك مولود سليم هذه نعمة لا تقدر بثمن، لك زوجة صالحة، أعان الله الذي عنده شك بزوجته، المؤمن زوجته طاهرة، عفيفة، تجده يسافر، يغيب، عنده طمأنينة بلا حدود، أما الذي شكّ بزوجته يغلي كالمرجل، فالذي عنده زوجة صالحة من نعم الله الكبرى، الذي عنده أولاد أبرار، من نعم الله الكبرى، الذي عنده مأوى، لا يهم، بيت تؤوي إليه، كبير، صغير، بطوابق عليا، له إطلالة، طوابق دنيا، لابأس، عندك مأوى.
الحمد لله الذي آواني وكم من لا مأوى له.
إذا كنت أيها الأخ المؤمن الكريم بهذه النفسية، دخلت لبيتك شكرت الله، نظرت إلى زوجتك شكرت الله، نظرت إلى أولادك شكرت الله، أكلت طعاماً أحببته شكرت الله عز وجل، فهذه من أحوال المؤمن، دائماً شكور.
إذاً شكر العبد عن الحقيقة إقرار القلب بإنعام الرب، ونطق اللسان عن اعتقاد الجنان، وعمل بالجوارح والأركان.
مستويات الشكر:
1 ـ أن تعزو النعمة إلى الله:
هناك تعريف آخر: هو الشكر معرفة، والشكر حب، والشكر عمل، ثلاث مستويات، لمجرد أن تعزو النعمة إلى الله فهذا أحد أنواع الشكر، أما قال قارون:
﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ﴾
﴿ فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ ﴾
( سورة القصص الآية: 81 )
﴿ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ ﴾
( سورة الزخرف الآية: 51 )
أهلكه الله. ﴿ نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ ﴾
( سورة النمل الآية: 33 )
قوم بلقيس، أهلكهم الله. ﴿ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ ﴾
( سورة الأعراف الآية: 12 )
الشيطان، أهلكه الله، إذاً معرفة. 2 ـ أن يمتلئ القلب محبة لله:
الآن مستوى آخر من مستويات الشكر، لمجرد أن يمتلئ القلب محبة لله على هذه النعمة هذا مستوى أرقى، أول مستوى أن تعزو النعمة إلى الله، والمستوى الثاني أن يمتلئ القلب محبة لله.
3 ـ أن تقابل نعم الله عز وجل بخدمة عباده:
المستوى الثالث وهو أرقى المستويات أن تقابل نعم الله عز وجل بخدمة عباده، أن تنصحهم، أن تحسن إليهم، أن تخلص لهم، أن ترعى فقيرهم، أن تعين ضعيفهم، أن تطعم جائعهم، والدليل على ذلك قال تعالى:
﴿ اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ﴾
( سورة سبأ )
﴿ اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْراً ﴾
الشكر بأعلى درجاته عمل صالح، يعني إنسان قدم لك خدمة كبيرة، تقول له: شكراً، لا يكفي هذا.
(( من صنع إليكم معروفاً فكافئوه ))
[ النسائي و أحمد عن عبد الله بن عمر]
كافئ المعروف بمعروف، الهدية بهدية.
(( تهادوا تحابوا ))
[ مالك في الموطأ عن مالك بن عطاء الخراساني ]
صيغة مشاركة، أي قدم لك هدية قدم له هدية، هذا العمل الشكر الثالث أن تكافئ كل شيء طيب بعمل. من عطاء الله على الإنسان نعمة الإيجاد و الإمداد و الهدى والرشاد:
عندنا تعريفات أخرى، هناك نعمة الإيجاد:
﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ﴾
( سورة الإنسان )
أنا أحياناً إذا تصفحت كتاباً، وقرأت تاريخ تنضيده، طبع، وكان قبل سنة ولادتي أقول سبحان الله ! أثناء تنضيد هذا الكتاب أنا لم أكن شيئاً مذكوراً، ما له وجود الإنسان ﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ﴾
مَنْ فلان قبل مئة عام ؟ ما في فلان، فالله عز وجل تفضل علينا بنعمة الإيجاد.
لكن في عندك جهاز تنفس يحتاج إلى هواء والهواء موجود، تحتاج إلى ماء والماء موجود، تحتاج إلى طعام والطعام موجود، تحتاج إلى إنسانة ترعى شؤونك، والإنسانة موجودة، تحتاج إلى أولاد يملؤون البيت فرحة، والأولاد موجودون، تحتاج إلى مأوى والمأوى موجود، تحتاج إلى عمل ترتزق منه والعمل موجود، هذه نعمة الإمداد، منّ الله عليك بعمة الإيجاد، ومنّ الله عليك بنعمة الإمداد.
ثم منّ الله علينا جميعاً بنعمة الهدى والرشاد، أرسل أنبياءه، أرسل كتباً، أرسل رسلاً، نصب لك الآيات الدالة على عظمته، يعني هداك بأساليب لا تعد ولا تحصى، نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمة الهدى والرشاد. معرفة الله عز وجل أكبر نعمة منّ الله بها على الإنسان:
لكن أكبر نعمة على الإطلاق نعمة:
﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾
( سورة النساء )
لو قال لك طفل معي مبلغ عظيم، كم تقدره ؟ بمئتي ليرة، أبوه مدرس، وجاء العيد، تلقى هبات من أقربائه جمعهم بمئتي ليرة، مبلغ كبير، قال لك معي مبلغ عظيم، لأنه طفل كلمة عظيم من طفل تقدر بمئتي ليرة، وإذا قال لك مسؤول كبير بالبنتاغون أعددنا لهذه الحرب مبلغاً عظيماً تقدره بمئتي مليار دولار، الكلمة نفسها، قالها طفل فقدرتها بمئتي ليرة، وقالها مسؤول كبير في دولة قوية قدرتها بمئتي مليار، فإذا قال ملك الملوك ومالك الملوك: ﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾
يعني أكبر نعمة أن تعرف الله، إنك إن عرفته عرفت كل شيء، وإن فاتتك هذه المعرفة فاتك كل شيء.
(( ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء ))
[من مختصر تفسير ابن كثير]
والحمد لله رب العالمين




hslhx hggi hgpskn hga;,v 1 hgpskn hga;,v